سعدتُ جدا بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمصر وبالعلاقات المصرية التركية والتعاون المشترك بين البلدين، لأن هذه الخطوة تعكس إدراكا متبادلا لأهمية الشراكة واحترام التوازنات الإقليمية، كما أنها تؤكد أن السياسة التي تنتهجها القاهرة سيكون لها تأثير كبير على استقرار المنطقة بأسرها. فهذه المقاربة ليست وليدة ظرف عابر، بل هي نتاج رؤية مصرية خالصة وسياسة دولة عظيمة تقوم على الثبات والحكمة وإدارة الملفات بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، وبما يتناسب مع حجم مصر ومكانتها دون تطاول على أحد ودون تفريط في حق.
سياسة النفس الطويل المصرية ليست توصيفا إعلاميا ولا محاولة لتجميل الواقع، بل خلاصة تجربة دولة عريقة تعلمت عبر تاريخها أن الانفعال لا يصنع قوة، وأن الصراخ لا يحمي الأمن القومي، وأن الدولة التي تعرف وزنها الحقيقي لا تتعجل الصدام ولا تتدخل في شؤون غيرها، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لأحد بالاقتراب من حدودها أو العبث بأمنها. تتحرك مصر بثبات، تنتظر اللحظة المناسبة، وعندما تحسم تفعل ذلك بالفعل لا بالقول. لذلك ظل رد فعلها في علاقاتها الخارجية متزنا وقويا مهما تعددت التحديات وتغيرت الوجوه، لأن البوصلة واحدة والرؤية واضحة، ولأن فلسفة القوة فيها تقوم على أن “العفي محدش يقدر ياكل لقمته”، كما قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي عبارة تختصر عقيدة دولة تعرف متى تصبر ومتى ترسم الخط الأحمر.
عملي في مهنة الصحافة جعلني قريبا من بؤرة الأحداث، متابعا لتحولات الإقليم وصراعاته وتقلب موازين القوى، مهتما بكل ما يدور في الداخل والخارج. هذا القرب منحني قناعة راسخة بأن مصر عندما تتحرك فإنها تتحرك دفاعا عن أمنها القومي لا سعيا إلى نفوذ زائف. أؤيد حين أرى مصلحة بلدي، وأنتقد حين أرى خطرا، لكنني كنت دائما أرى أن معيار الحكم هو حماية الدولة المصرية وصون استقرارها، لأن مصر ليست دولة معتدية، بل دولة تدرك حدودها جيدا وتعرف أن احترام سيادة الآخرين لا يعني التفريط في حقوقها.
في الملف الفلسطيني كانت مصر في قلب المشهد منذ اللحظة الأولى. لم تنجر وراء الشعارات ولا المزايدات، بل تحركت بمنطق الدولة التي تدرك خطورة اللحظة. رفضت التهجير القسري، وفتحت المعابر، وقدمت المساعدات، وتحركت سياسيا ودبلوماسيا في كل العواصم المؤثرة، ونجحت في فرض نفسها وسيطا لا غنى عنه. لم يكن موقفها رد فعل مؤقتا، بل امتدادا لسياسة ثابتة تعتبر القضية الفلسطينية جزءا من أمنها القومي. صمدت أمام الضغوط، وتمسكت بالثوابت، وأكدت أن حماية الحقوق لا تكون بالصوت المرتفع بل بالموقف الواضح والفعل المؤثر.
في ليبيا جسدت مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي جوهر سياستها في إدارة الأزمات المحيطة بها: صبر استراتيجي يعقبه حسم واضح عند تهديد الأمن القومي. فمنذ انزلقت ليبيا إلى الفوضى بعد سقوط مؤسساتها وتعددت مراكز السلطة وانتشرت الميليشيات، أدركت القاهرة أن الأمر يتجاوز صراعا داخليا إلى خطر مباشر على حدودها الغربية، بما يحمله من تهريب وسلاح وإرهاب. لذلك تعاملت مع الملف الليبي باعتباره مسألة أمن قومي لا ساحة نفوذ.
دعمت مصر مؤسسات الدولة الوطنية، وساندت مسار توحيد الجيش، وتمسكت بحل سياسي يحفظ وحدة الأراضي الليبية ويرفض عسكرة المشهد أو تحويله إلى ساحة صراع بالوكالة. وعندما اقتربت الميليشيات المدعومة خارجيا من سرت والجفرة، أعلن الرئيس السيسي أن هذا "خط أحمر"، في رسالة ردع حاسمة أكدت أن الصبر المصري ليس ضعفا، وأن حماية الحدود مسؤولية لا تقبل المساومة. فتبدلت الحسابات وتراجعت رهانات التصعيد.
ورغم تعقيدات المشهد الليبي، من انقسام سياسي ومؤسسي وصراعات نفوذ وحوادث أمنية خطيرة، تمسكت القاهرة بمبدأ ثابت: لا دعم لأشخاص بل دعم للدولة، ولا شرعية لسلاح خارج إطار المؤسسات، ولا قبول بأي ترتيبات تمس وحدة ليبيا أو تهدد جوارها. هكذا رسمت مصر خطها الأحمر، دفاعا عن أمنها القومي واستقرار دولة شقيقة، مؤكدة أن سياستها تقوم على حماية الدولة لا اقتناص الفرص، وعلى الفعل حين يستدعي الأمر لا الاكتفاء بالتحذير.
أما في السودان، فالموقف المصري لم يكن سياسيا فقط، بل وجوديا واستراتيجيا في آن واحد. فمصر تنظر إلى السودان باعتباره عمقا تاريخيا وجغرافيا وبشريا، وترى أن أمنه من أمنها، وأن استقراره انعكاس مباشر لاستقرارها. لذلك جاء موقف القاهرة ثابتا في دعم الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية، ورفض أي سيناريو يؤدي إلى تفكيكها أو إغراقها في دوامة الميليشيات والسلاح المنفلت. فالفوضى في السودان لا تتوقف عند حدوده، بل تمتد بتداعياتها إلى الأمن الحدودي المصري، وإلى معادلات التوازن في وادي النيل بأكمله.
ومن هذا المنطلق تصدت وتتصدي مصر لكل الأيادي التي حاولت العبث باستقرار السودان أو توظيف أزمته لخدمة أجندات إقليمية ضيقة. لم تنحز القاهرة لطرف على حساب الدولة، بل انحازت لفكرة الدولة نفسها، لوحدة الأراضي السودانية، ولمؤسساتها الوطنية، ولحل سياسي يحفظ للسودان تماسكه ويمنع انهياره. لأن انهيار السودان لا يعني فقط أزمة داخلية، بل يعني فتح أبواب الهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح، وتمدد الجماعات المتطرفة، وخلق فراغ أمني على حدود تمتد لمئات الكيلومترات، وهو ما تدركه مصر جيدا وتتعامل معه بعقل استراتيجي لا بردود فعل مؤقتة.
إن العلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادي، بل علاقة وادٍ واحد ومصير مشترك، تشكلت عبر التاريخ والجغرافيا والنيل الذي يجمع ولا يفرق. ومن هنا فإن الحديث عن استقرار السودان هو في جوهره حديث عن استقرار مصر، وعن حماية الأمن القومي المصري في عمقه الجنوبي. ولذلك كان التحرك المصري داعما لوحدة السودان، رافضا لأي مخطط تقسيم أو إضعاف، ومؤكدا أن الدولة الوطنية هناك خط أحمر لا يقل أهمية عن أي خط أحمر آخر على حدود مصر.
بهذا الفهم تتحرك القاهرة؛ لا بدافع الوصاية، بل بدافع الشراكة والمسؤولية التاريخية، وبقناعة راسخة أن مصر والسودان في معادلة الأمن والاستقرار كالجسد الواحد، وأن أي محاولة للعبث بأحدهما ستصطدم بحقيقة ثابتة: أن حماية السودان جزء أصيل من حماية الأمن القومي المصري، وأن استقراره هو امتداد طبيعي لاستقرار مصر نفسها.
أما إثيوبيا وسد النهضة، فالقضية تمثل نموذجا كاشفا لسياسة النفس الطويل التي انتهجتها مصر بثقة وثبات. منذ اللحظة الأولى تحركت القاهرة عبر كل المسارات الدبلوماسية والقانونية، وشرحت موقفها للعالم باعتباره حقا في الحياة لا نزاعا سياسيا عابرا، وصبرت على سنوات من التعنت والمراوغة دون أن تفرط في ثوابتها أو تنجرف إلى مواجهة غير محسوبة. كانت الرسالة واضحة: مياه النيل مسألة وجود، وأمن قومي لا يقبل العبث.
وفي المقابل، كشفت السنوات أن الرهان الإثيوبي على فرض الأمر الواقع لم يحقق ما وعد به شعبه. فالسد الذي قُدم باعتباره بوابة نهضة شاملة تحول إلى عبء اقتصادي وسياسي، وتعثر تشغيله الكامل وتوليد الكهرباء بالمعدلات المعلنة، وباتت أديس أبابا تواجه تحديات فنية وتمويلية وتسويقية جعلتها في مأزق معقد، حتى بدا وكأنها خنقت نفسها بخطوة لم تحسب أبعادها بدقة. وبينما راهن البعض على الإضرار بحصة مصر، أثبت الواقع أن حصة مصر من مياه النيل تصل، وأن الله حفظ هذا الحق التاريخي، في مشهد يؤكد أن من يتمسك بحقه ويديره بعقل لن يُضام.
ومع محاولات إثيوبية للبحث عن أوراق ضغط جديدة عبر البحر الأحمر أو عبر تفاهمات جانبية تمس توازنات الإقليم، تحركت القاهرة بهدوء لتعزيز علاقاتها مع الدول المشاطئة، ورسخت حضورا سياسيا وأمنيا قائما على احترام سيادة الدول ورفض أي ترتيبات تخل بالتوازن القائم. أكدت مصر أن البحر الأحمر ليس ساحة مساومة ولا ممرا يُنتزع بالتصريحات، بل منظومة أمن قومي تحكمها قواعد راسخة وشراكات متوازنة.
ما جرى في هذا الملف يؤكد أن موازين القوى لا تُصنع بالصوت العالي ولا بمحاولات فرض الأمر الواقع، بل ببناء التحالفات، وحسن إدارة التفاوض، والقدرة على الصبر حتى تنكشف الحقائق. وهكذا أدارت مصر أزمة السد: ثبات دون تفريط، وحزم دون اندفاع، وثقة في أن الحق المدعوم بالقوة والعقل معا يظل محفوظا مهما طال الزمن.
حماية البحر الأحمر تمثل ركنا أساسيا في الرؤية المصرية، لأنه شريان للتجارة العالمية وأحد أعمدة الأمن القومي. لذلك جاء التحرك المصري نشطا ومدروسا، بالتنسيق مع الدول المشاطئة والقوى الدولية، لضمان عدم تحويله إلى ساحة صراع أو ابتزاز. هذا النهج عزز مكانة مصر كدولة توازن واستقرار، قادرة على التواصل مع الجميع دون أن تتخلى عن ثوابتها أو تتجاوز على أحد. شبكة علاقاتها الدولية المتوازنة لم تكن مجاملة سياسية، بل ثمرة سياسة واضحة تقوم على احترام الالتزامات وفهم دقيق لمعادلات القوة.
كل هذه الوقائع تؤكد أن مصر بقيادتها السياسية تدرك ما تفعل، وتدرك أن الحق لا يحميه إلا من يملك القوة والعقل معا. قوة ليست عدوانا، بل قدرة على الردع، وعقل ليس ترددا، بل حسن تقدير للمواقف. سياسة النفس الطويل ليست ضعفا، بل ذروة الثقة بالنفس، لأنها تجعل مصر تتحرك بالفعل لا بالشعار، وتحسم حين يجب الحسم، وتترك الزمن يكشف صواب رؤيتها.
أخيرا،
يتضح أن مصر بقيادتها السياسية لم تتغير رغم تقلب الظروف، ولم تتخل عن ثوابتها رغم تعقيد التحديات وتعدد المخاطر. فهي تقدم الفعل على القول، وتحترم سيادة الآخرين، وفي الوقت نفسه تفرض احترامها على الجميع. سياسة مصر تقوم على معرفة وزنها الحقيقي، وفهم أبعاد أمنها القومي، والإيمان بأن القوة الحقيقية هي القدرة على حماية الحقوق والحدود دون اعتداء على الغير. بهذا النهج، تظل مصر رمانة الميزان في إقليم مضطرب، دولة لا تُؤكل لقمتهـا، تعرف متى تصبر، ومتى تحسم، ومتى تتحرك بالفعل لتؤكد أن الحق معها، وأن سياستها القائمة على الصبر والحسم والاحتكام إلى العقل والحكمة هي الضمان لاستقرارها واستقرار المنطقة كلها.
مصطفي البلك